مفاهيم وتجارب في مكافحة الفساد

0



الكاتب: أ.ايليا روماني وليم - محلل اقتصادي

يقول نجيب محفوظ – الأديب والروائي :-
اننا نستنشق الفساد مع الهواء ، فكيف تأمل ان يخرج من المُستنقع أملًُ حقيقي لنا . 
ويقول سلافوي جيجك – الفيلسوف والناقد الثقافي :- 
تذكروا : ليست المُشكلة الفساد او الطمع ، المُشكلة هي النظام الذي يدفعك دفعاً لتكون فاسداً . 

يُعرف الفساد بأنهُ ظاهرة اجتماعية خاطئة ، تهدف الي تحقيق مكاسب شخصية علي حساب الاخرين ، ويُعتبر خروجاً عن القانون والاعراف السائدة ، وتُعرفهُ مُنظمة الشفافية الدولية بأنهُ سوء استخدام المنصب العام لتحقيق مصلحة خاصة ذاتية لنفسهُ او لجماعتهِ ، وللفساد مظاهر عدة وهي عبارة عن سلوكيات يقوم بها الافراد الذين يمتلكون نفوذاً وسُلطةً اهمها الرشوة والمحسوبية والمُحاباة والواسطة والاحتيال علي المال العام والابتزاز واقصاء ذوي الكفاءات والمؤهلات ، اسبابُهُ الاهم الفقر والجهل ، التهاون في مبدأ الفصل بين السُلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ، الاجور المتُدنية ، ضُعف مؤسسات المُجتمع المدني ، ضُعف اجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها ، ضُعف الارادة السياسية لمُكافحة الفساد ، ولهُ نوعان وفقاً لمرتبة من يُمارسهُ الاول اُفقي ويُسمي بالفساد الصغير " MINOR CORRUPTION " وهو يشمل صغار الموظفين وبدونهِ لا تستطيع تنفيذ اي مُعاملة مهما كانت صغيرة دون رشوة المسؤول ، والثاني فساد رأسي ويُسمي ايضاً بالفساد الكبير " GROSS CURRUPTION  " وهو يشمل كبار الموظفين ويسعي لتحقيق مكسب اكبر من مُجرد رشوة ، وللفساد بصورة عامة اثار عدة منها ما هو اجتماعي وما هو سياسي وماهو اقتصادي بالطبيعة . 

الفساد افة من افات العصر ويُشبة المرض العُضال يأكل امامهُ كل اخضر ويابس ، دول كثيرة عانت منهُ وانتبهت اليه ، فأثرت مُكافحتهِ بكل غالً ونفيس وبسطت يدها للجميع مُنظمات وافراد ومؤسسات محلية ودولية ، لكن كان لها ارادة سياسية من اعلي هرم السُلطة الي ادناها والشعب قاطبة ، نري منها .

(1)
الحزب الشيوعي الصيني الذي ادرك ان النمو المُتسارع للاقتصاد والثروات ادت الي خلق فجوة في الدخل وان السبب في هذة الفجوة هُما التسيُب والفساد وسياسات السوق المفتوحة ، وان في ذلك اضراراً بالاُمة، فسارع الي وضع خطةً خمسيةً (2013 م – 2017 م ) لمُحاربة الفساد ومُعاقبة المتورطين فيهِ ، وتعكفُ فيها هيئاتُ الرقابة علي تنظيم جولات تفتيش علي المسؤولين لتتبُع اي سلوكيات ضارة او غير مشروعة كالمُتاجرة او استغلال النفوذ او الرشوة او ظهور مظاهر شكلية حتي للرفاهية او البذخ او التراخي في القيام بواجبات الدولة ، ولخفض الانفاق والتقشُف الحكومي لادني مستوي منعت الحكومة منعاً باتاً استخدام اي لافتات للترحيب او اي سجادات حمراء او اكاليل زهور او تنظيم حفلات استقبال لزيارات المسؤولين الصينيين ، كما سارعت السُلطة الي طلب اقرارات بالذمة المالية للمسؤولين واُسرهم ، وانشأت خطوطاً ساخنة للتبليغ وتحمي النيابةُ العامة المُبلغين والشهود وكما انشأت مواقعاً علي الانترنت " مُضادة للفساد " ، وعملت الخُطة الخمسية علي وضع قواعد مُتباينة تحكُم المسؤولين ورفاهيتهم وتتضمن هذة القواعد المنازل والسيارات والحفلات والاجازات والسكرتارية والحراسة الامنية لتتوافق مع مستوي الشاغل للوظيفة الحكومية ، اُدين في هذة الحملة الي الان ما يُقارب 33,155 مسؤولاً 680 منهُم يشغل منصب رفيع المستوي و829 من القُضاة وموظفي المحاكم لتلقيهم مكاسب غير مشروعة . 

(2)
تُعتبر من اكثر عشرة دول يتوغل فيها الفساد ، قامت الدولة الافريقية نيجيريا بتجربة رائدة وجهود حثيثة لمُكافحتهِ ، عانت بسببهِ عجزاً مُستمراً في ميزانها التجاري ، وعجزاً في تغطية أجور العاملين في الدولة ، وديوناً خارجية وداخلية ضاغطة ، وقد استطاعت تشخيص مرضها وشرعت في عملية شاملة لاصلاح سياسي واقتصادي ، ومدت ذراعها لاتفاقية الاُمم المُتحدة لمُكافحة الفساد وقامت بتأسيس مكتب عُرف بمكتب  " تحسين الخدمة العامة ، ووضع خطة عمل واضحة المعالم اهم نقاطها تعيين ثلاث مناطق ورفع تقارير عن النظام القضائي بها وتطبيق اليات مُكافحة الفساد فيها ثم نشر هذة الاليات وتعميمها علي مستوي الدولة ، ووضع اليات لمُراجعة وتقييم المراحل المُختلفة لخطة مُكافحة الفساد ، واجه مكتب الخدمة العامة تحديات ابرزها مقاومة التغيير وجمود نُظم وقوانين الخدمة العامة ، وعدم وجود مهارات وكفاءات لاحداث تطور واصلاح ، لكن كانت الارادة الاصلاحية اقوي حيث تبني اغلب الاوساط النيجيرية فكرة الاصلاح ومُحاربة الفساد ، اقر مجلس الشعب النيجيري قانوناً لمُكافحة الجرائم المالية والذي نشأت بموجبة " هيئة مكافحة الجرائم المالية ، كما اقر مجلس الشعب مُبادرة لمُكافحة الفساد وصدقَ في ذات التوقيت علي مشروع قانون الانتخابات العامة والذي بموجبهما تم مُراقبة مالية الدولة والمساعدات المقدمة للأحزاب المختلفة وجميع المؤسسات والافراد ، وتقدمت نيجيريا بعدها خطواط كثيرة في مؤشرات مُكافحة الفساد . 


(3)
شرعت بلغاريا في تسعينيات القرن المُنصرم في حملة قومية لُمكافحة فساد الدولة تبنتها الحكومة ومُنظمات المجتمع المدني هدفوا فيها الي اعلان بلغاريا دولة خالية من كافة اشكال الفساد وتحقيق مبادئ النزاهة والشفافية وخلق قطاع عام فعال نتج عنها تبني مشروع قومي عُرف حينها " بالمشروع القومي لمُكافحة الفساد " وتحولت بعدها بلغاريا من تصنيف دولة مُنتشرة الفساد الي الدولة ذات الفساد المحدود ولضمان الاستمرارية في المشروع القومي دُعمت الخطة بثلاث اليات لها هي ضمان نظام قضائي نزيه ، رفع مستوي اداء الخدمة العامة والقضاء علي كافة هياكل ومُسببات الفساد .

(4)
عانت كثيراً من الفساد في كل المجالات السياسية والاقتصادية لدرجة ان 62% من الشعب يري ان الفساد هو ظاهرة حقيقية متوغلة في البلاد ، وانهم يضطرون الي دفع رشاوي للحصول علي الخدمات التي يريدونها من الهيئات الحكومية !! بدأت الهند مُبادرة الاصلاح ومُكافحة الفساد ورأت ان ثُلث مُسببات الفساد يُمكن ازالتها عن طريق استخدام التكنولوجيا الحديثة في المجالات المُختلفة خاصة الفصل بين مُقدم الخدمة والمُستفيد منها دعمت هذة المُبادرة رغبة شعبية في القضاء علي الفساد وتلاقت مع رغبة حكومية في وضع اليات للاصلاح في المجالات المُختلفة بالاضافة الي السعي لخفض مستويات الفقر وتحقيق مبادئ الشفافية والديموقراطية التنمية المُستدامة والأمن القومي وشرعت في التوقيع علي مُعاهدة دول اسيا والباسفيك لمُكافحة الفساد وكانت الخُطة الاولي اصلاح وتقوية مُنظمات المُجتمع المدني وتفعيل مُشاركتهِ في مكافحة الفساد ، العمل علي الحد من انتشار الرشوة بالاضافة الي تفعيل كل الاليات المُستخدمة لمُكافحة الفساد ، وفي نفس التوقيت قامت بمُساعدة وتعاون  الاتحاد الاوروبي بمُساندة المجتمع المدني في مكافحة للفساد وانشاء هيئة لمُكافحة الفساد وعمل خطة قومية لذلك واصلاح سياسي شامل . 

(5) 
تُعتبر من انجح التجارب الدولية في مُكافحة الفساد ، تحتل المرتبة الرابعة بين دول العالم في مكافحة الفساد طبقاً لتقرير مُنظمة الشفافية الدولية انشأت سنغافورة " مكتباً للتحقيقات في مُمارسات الفساد " وذلك نزولاً لرغبة المُجتمع المدني والسُلطة التنفيذية لرفض الفساد كوسيلة للعيش والرغبة في القضاء علية بالاضافة الي الاحساس بضرورة وضع استراتيجيات واليات جادة لمُحاربتهِ ، يُحقق هذا المكتب في مُلابسات الفساد في القطاع العام والخاص ويتبع مباشرة لرئيس مجلس الوزراء كما سعي الي اتباع سياسات من شأنها مكافحة الفساد في الجهاز الاداري والقطاع الخاص وسوء استخدام السُلطة ، وارسال تقارير الي الجهات التي يتبعها المتهمون بممارسة الفساد ، واعادة هندسة وهيكلة المؤسسات الحكومية وعمل لقاءات مع المسؤولين الذين علي صلة مُباشرة بالجمهور للتأكُد من مبادئ الشرف والنزاهة وتجنب الفساد وتقديم توصيات الي كبار المسؤولين لمُكافحة الفساد واخيراً التحقيق في كل ما يرد الي المكتب من شكاوي تُفيد وقوع مُمارسة للفساد . 

تجارب ومواعظ كثيرة امامنا لدول نهضت من رحم النكبة ، استنهضت همِمَها وايقظت ارادتها لتمضي الي الامام نحو افاق افضل لشعوبها ، لذلك نطمح الي بيان جدية والتزام الدولة من خلال اطلاق يد طوليَ لمفوضية مكافحة الفساد فكُلها ايام ويُكمل القانون عامةُ الاول ، فهل من ساكناً يُحرك ؟؟!