مقال: التمويل الأصغر كأداة للحد من الفقر (تقييم نقدي)

0


مقال بقلم دكتور الصادق ادريس 
 يرى بعض المهتمين بالتمويل الأصغر أنه رغم تطوير التمويل الأصغر لبعض الاستراتيجيات المبتكرة للإدارة والمشروعات، إلا أن تأثيره على الحد من الفقر لا يزال موضع شك، ومع ذلك، يلعب التمويل الأصغر بالتأكيد دوراً هاماً في توفير شبكة الامان وتيسير الاستهلاك، وينبغي أن يكون تركيز السياسات العامة فيما يتعلق بأساليب الحد من الفقر على البرامج التي تستهدف النمو وتعزز العدالة والإنصاف، مثل خلق فرص العمل المثمرة واسعة النطاق، هناك العديد من القصص حول التأثير التحولي للتمويل الأصغر على المقترضين من الأفراد، ومع ذلك فمن المدهش ألا يكاد يكون هناك بحوث دقيقة تحاول عزل تأثير التمويل الأصغر عن العوامل الأخرى أو تحديد كيف تؤدي التوجهات المختلفة للتمويل الأصغر الى تغيير النتائج.

 يعتقد البروفيسور محمد يونس مؤسسة بنك جرامين في بنجلاديش ومبتكر فكرة التمويل الأصغر أن 5% من عملاء بنك جرامين يهجرون الفقر سنوياً، ومع ذلك يوجد عدد قليل من التقديرات المناسبة حول مدى مساهمة الإقراض الأصغر في الحد من الفقر بصورة فعلية وحتى نتائج البحوث الأخيرة الأكثر دقة لا تخلو من القيود المنهجية أو الجدل، ومن ثم لا يعد الجدل الشديد المتواصل حول تأثير التمويل الأصغر على الحد من الفقر أمراً مدهشاً ورغم النشوة الناجمة عن حصول البروفيسور محمد يونس على جائزة نوبل، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من المتشككين.

تنطوي النتائج التي توصلت إليها دراسات هولم وموزلي على أن الائتمان يمثل أحد عوامل تحقيق الدخل أو المخرجات، وهناك عوامل أخرى مكملة وضرورية لكي يصبح الائتمان أكثر انتاجية، وتتمثل أهم تلك العوامل في مهارات تنظيم المشروعات لدى المتلقي، ولا يحظى معظم الفقراء بالتعليم الاساسي او الخبرة اللازمة لفهم وإدراة أنشطة المشروعات حتى تلك المشروعات منخفضة المستوى، وغالباً ما يكونوا كارهين المجازفة والمخاطرة ويخشون فقدان الأصول القليلة التي يمتلكونها، وحتى في البلدن المتقدمة التي ترتفع بها معدلات التعليم وإمكانية الحصول على الخدمات المالية يتمثل 90 بالمائة من القوى العاملة من الموظفين وليس من أصحاب المشروعات.

عليه يرى البعض أن التمويل الأصغر يعد ضرورياً ولكنه ليس شرطاً كافياً لترويج المشروعات الصغيرة ، فلابد من وجود مدخلات أخرى مثل التعرف على فرص سبل المعيشة، واختيار وتشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة والتدريب العملي والفني، وتأسيس روابط السوق الخاصة بالمدخلات والمخرجات، والبنية الأساسية المشتركة، والاعتمادات الرقابية في بعض الأحيان، وفي ظل غياب هذه المدخلات ينجح التمويل الأصغر في حد ذاته مع مجموعة محدودة ومألوفة من الأنشطة (الزراعة على نطاق ضيق، وتربية الماشي، والتجارة على نطاق ضيق، وحتى تلك الأنشطة التي تتوفر بها روابط السوق).

يتفق مروجي التمويل الأصغر في الأغلب على أن التمويل الأصغر وحده لا يعد حلاً لمشكلة الفقر العالمي، ومن ثم فهناك اتفاق واسع على الحاجة الى عوامل مكملة للتمويل الأصغر تساهم في إحداث تأثير إيجابي فيما يتعلق بالحد من الفقر ولا يضمن توفير التمويل الأصغر بالضرورة توافر العوامل المكملة بكميات وجودة ملائمة، ويبدو أن بعض مؤسسات التمويل الأصغر قد أدركت الحاجة الى مثل تلك العوامل ، ومن ثم توفر تلك المؤسسات التدريب أيضاً لبناء مهارات الإدارة وتنظيم المشروعات ، وهناك أيضاً منظمات غير حكومية توفر التعليم الأساسي في المناطق الريفية ، وتعد كل هذه الجهود بمثابة تطورات إيجابية محتملة للحد من الفقر.

ومع ذلك فقد كان التركيز ينصب بصفة عامة على عوامل جانب العرض التي تكمل بعضها البعض من أجل زيادة إنتاجية الاستثمار الأصغر، وحظي جانب الطلب بإهتمام محدود للغاية إلا من قبل بولين عام 2007م الذي يشير الى أن المشروعات الصغرى تحتاج الى سوق محلي نابض بالحياة وجيد الأداء يتضمن عدد كافي من الأشخاص ممن لديهم أموال كافية لشراء منتجات تلك المشروعات.

كما يشير الى أن التمويل الأصغر يتجاهل الدور الحيوي للإنتشار والتوزيع وعلى النقيض من ذلك يوفر التمويل الأصغر زيادة في العرض لدى المشروعات الصغرى غير الفعالة بما يؤدي الى تقويض المشروعات الصغيرة والمتوسطة الأكثر فاعلية، وفي ظل غياب التوسع في الاقتصاد تضطر المشروعات الصغرى الى مواصلة البقاء من خلال وضع استراتيجيات رادعة لخفض التكلفة ، التي يمكنها على المدى القصير أن تستقطب حصة السوق الرئيسية التي تحظى بها المشروعات المحلية الصغيرة والمتوسطة التي قد تتمكن من أن تحد من تكاليف الوحدة وتسجل نمواً في الانتاجية على المدى الطويل.

تبرز دراسة عوامل الطلب أهمية سياسة الاقتصاد الكلي والتجارة والصناعة المؤيدة للنمو ،عليه لايعد التمويل الاصغر ترياقاً للحد من الفقر الذي يحتاج الى عوامل مكملة لكل من جانبي العرض والطلب.



د. الصادق إدريس أحمد
 مستشار اقتصادي
تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة

الرياض - السعودية