ما هو الأثر الاجتماعيّ والاقتصاديّ الذي يمكن أن يحدِثهُ انتشار تطبيقات مثل ترحال أو مشوار ؟

0

مقال بقلم الاستاذ: خالد عثمان الفيل
 قبل أيام قليلة استضافة إحدى منصات ريادة الأعمال في الخرطوم Startup Grind Khartoum فريق إدارة برنامج ترحال Tirhal، وهو برنامج إلكترونيّ لحجز السيارات مثل الكثير من البرامج الإلكترونيّة المعروفة (أوبر، كريم.....إلخ). وبالرغم من أنه لم تمضي سنة كاملة من دخوله الفعليّ للسوق السودانيّة، فقد وجد هذا البرنامج قبولاً كبيراً وأصبح نموذجاً للنجاح والتميز في عالم ريادة الأعمال. في ذلك اللقاء صرحت إدارة البرنامج بأن هنالك 3500 رحًال (عدد السيارات العاملة تحت هذا البرنامج). وكشخص دارس لتخصص الاقتصاد السياسيّ الذي يهتم، من ضمن اهتماماته العديدة، بتحليل توزيع الثروة وحركة المال وأنماط الكسب والإنتاج في المجتمع وآثارها، فكرتُ في أثر دخول مثل هذا العدد الكبير من السيارات في قطاع النقل في الاقتصاد السودانيّ، ووجدت أن الأمر فعلاً مثير ويستحق النقاش والتأمل.

خالد عثمان الفيل
الشريحة (داخل قطاع النقل) التي سيؤثر عليها دخول سيارات- ترحال هي شريحة "الأمجاد والتاكسي الأصفر و الركشات (التكتك)" وذلك لأن المستخدم/الموطن الذي يستخدم هذه الوسائط في تنقلاته هو غالباً الذي سيستخدم برنامج ترحال. ويمكن أن نقول إن أسباب الانتشار الضخم لترحال مقارنة بتلك الشريحة (أعنى الأمجاد و التاكسي و الركشات) هي خمس مُمَيزات رئيسيّة:

1-       معالجة مشكلة الربط بين المواطن وصاحب السيارة  Information Cost، فمن خلال ترحال يمكن لأي مواطن في أي مكان وفي أي زمان أن يبحث عن السائق القريب من إحداثياته المكانيّة ثم يطلبه ولن يستغرق الأمر أكثر من دقائق في الغالب حتى يكون السائق أمام المواطن، أو كما يقول أصحاب ترحال أنفسهم: "رفاهية من الباب إلى الباب"!
2-       ىراحة سيارة ترحال مقارنة بالأمجاد أو التاكسي (خصوصاً إذا كان قديماً) أو الركشة (التكتك). فمن شروط تسجيل السيارة في ترحال وجود تكييف جيد في السيارة، وهو أمر يصنع فارقاً حقيقياً خصوصاً في بلد طقسه حار جداً مثل السودان.
3-        الأمن والاطمئنان من هوية السائق، بالإضافة إلى المقدرة على استعادة الممتلكات في حالة حدوث أي نسيان لها داخل السيارة. وذلك لأن بيانات السائق وصورته وصورة رخصة قيادته ورقم هاتفه تكون موجود في البرنامج، كما أن حركة السير منذ نقطة البداية وحتى أخر نقطة تكون متابعة من خلال البرنامج.
4-        الاقتصاديون يضعون هذا النشاط الذي يقوم به ترحال تحت عنوان ما يعُرف ب "الاقتصاد غير الرسمي informal  economy"  وهو بصورة عامة يعني النشاط الاقتصادي الذي لا تستطيع الدولة/الحكومة أن تضع يدها عليه أو تواجه صعوبة في فرض القوانين أو الضرائب عليه. وهذه ميزة مهمة جداً لترحال عن بقية وسائل النقل الخاص: فمعروف مثلاً أن حكومة ولاية الخرطوم أصدرت في وقت سابق قراراً يمنع الهايس والأمجاد من دخول وسط الخرطوم وبالتالي حرمتهما من كل المشاوير/الترحيلات التي تمر عبر وسط الخرطوم (لا أعلم إن كان هذا القرار سارياً حتى الآن)، ومعلوم أن الركشة ممنوعة من أن تقطع الكباري. في المقابل، يصعب على الدولة أن تضع قوانين لسيارات ترحال، أولاً لأنها لا تملك معلومات عنها، وثانياً يصعب تمييز سيارات-ترحال عن السيارات الخاصة العاديّة.
5-        يمكننا أن نضيف سبباً خامساً هو الأمان من الغش أو التلبيس الذي قد يمارسه السائق على الراكب، وهذا مهم جداً خصوصاً للأجانب أو الزوار أو حتى المُغتربين. فسعر الرحلة في ترحال يكون مُحدداً مُسبقاً ولا يتم أي نوع من النقاش مع السائق حول التكلفة أو مناسبتها للرحلة.

كل هذه الأسباب جعلت ترحال يكتسح بصورة كبيرة جداً قطاع النقل الخاص الذي كانت تغطيه "الأمجاد والتاكسي الأصفر و الركشات" وهو أمر يمكن ملاحظة بسهولة في شوارع الخرطوم التي أصبحت ممتلئة بالسيارات الخاصة التي يوجد فيها علامة "التاكسي". أما من ناحية الأرقام، فمع أن هنالك ضعفاً وشحاً في توفر الأرقام من وزارة النقل (لا يوجد موقع إلكترونيّ لوزارة النقل السودانيّة!) فقد وجدت تقريراً صحفياً يذكر صاحبه أن عدد الهايس والأمجاد في ولاية الخرطوم هو عبارة عن 30 ألف، وإذا تَنَزّلنا وقسمنا هذا العدد بينهما، أي افترضنا أن عدد الهايس هو 15 ألف وعدد الأمجاد في الخرطوم هو 15 ألف (مع أنني أعتقد أن عدد الهايس أكبر من الأمجاد لأن الهايس تستخدم في المواصلات العامة ووجودها في الشارع أكثر من الأمجاد بالملاحظة الفرديّة) فإننا عندما نقارن عدد سيارات ترحال (3500 سيارة وهو في زيادة مستمرة) مقارنة بعدد الأمجاد (15 ألف) يمكننا أن نقول أن عدد سيارات ترحال في أقل من سنة واحدة تجاوز أكثر من 23% من عدد الكلي للأمجادات في الخرطوم منذ تاريخ دخول أول أمجاد فيها !
وما المشكلة في ذلك؟ المفترض أن هذا نجاح وتطور وتسهيل في الخدمات، أليس كذلك؟
فعلاً هذا نجاح خِدميّ غير مَسبوق وناجح جداً، لكن هنالك إشكال مُتَرَتِب على هذا النجاح. وقبل أن اتحدث عن هذا الإشكال لابد أن أوضح نقطتين:
أولاً، الطلب في السوق التجاري Demand الذي تمثله الشريحة (التي تستعمل سيارات النقل الخاصة من أمجاد وتاكسي وترحال) لأي سلعة لا يزداد بمجرد زيادة السلع المتوفرة Supply في ذلك السوق، لأن القوة الشرائيّة في جانب الطلب محدود. هذا الكلام يعني أن الشريحة التي تستعمل العربات الخاصة (الأمجاد والتاكسي و الركشات وترحال) ولا تستعمل المواصلات العامة في مشاويرها وتنقلاتها هي شريحة محدودة العدد في المجتمع السوداني، وببساطة فهي الشريحة من المجتمع السوداني القادرة على دفع متوسط 50-100 جنيه في اليوم لتنقلاتها في اليوم.
ثانياً، وقبل أن تقول لي بأن وجود إضافة في عدد المقدمين للسلع أو الخدمات Supply سيؤدي إلى خفض أسعار الخدمة وفقاً لمبادئ قوانين العرض والطلب التي تنص بأنه إذا زاد العرض مع ثبات الطلب فإن هذا يعني انخفاض تكلفة أو سعر السلعة أو الخدمة، سأقول لك بأن هذا الكلام لا ينطبق في هذه الحالة بسبب أن الأفراد أو المؤسسات التي تقدم السلع أو الخدمات Supply بينها فروقات كبيرة في "الميزة التنافسيّة Comparative Advantage " وقد تحدثنا قبل قليل عن خمس صفات رئيسيّة تميّز ترحال عن غيره.
هذا الكلام يعني ببساطة أن كل سيارات ترحال ال 3500 والتي تزداد باضطراد يومياً ( ذكر فريق الإدارة أن معدل دخول العربات الجديدة في ترحال هو 20 عربية في اليوم وهذا المعدل نفسه قابل للزيادة) تأخذ من الحصة السوقيّة التي كانت تمتلكها الأمجاد و التاكسي الأصفر و الركشات، وإذا أخدنا في اعتبارنا السمات الخمسة التي تتميز بها سيارات ترحال عن الأمجاد و التاكسي و الركشات فيمكننا أن نقول أن بعد عدد قليل من السنوات ستكتسح سيارات ترحال وغيره من البرامج الإلكترونيّة سوق النقل الخاص وستتقلص جداً عوائد الأمجاد و التاكسي و الركشات، وهذا ما أكدته عدد من التقارير في الدول العربيّة المجاورة.
أليس هذا رزقاً ساقه الله إلى ترحال، أين الإشكال في كل ذلك؟
بصورة عامة فإن أي نشاط اقتصاديّ سينتج أرباحاً، ثم إن تراكم هذه الأرباح سيعمل على زيادة غنى الشريحة المجتمعيّة التي تمتلك ذلك النشاط الاقتصاديّ أو التي تعمل في ذلك النشاط. وحتى لا يكون هنالك فروق اقتصاديّة وطبقيّة كبيرة أو ازدياد في معدل "عدم المساواة Inequality" في المجتمع ككل (وهي واحد من أهم القضايا الرئيسيّة التي تناقشها الأواسط والمؤسسات الأكاديميّة منذ سنوات عديدة ويمكن للقارئ البحث عن الأثار الاجتماعيّة والسياسيّة لازدياد معدل عدم المساواة في المجتمع) يجب أن تكون حركة المال في ذلك المجتمع تحتوي ممارسات أو نشاطات اقتصاديّة تستخرج عوائد مالية من الطبقات الغنيّة وتوصلها للطبقات الأقل، وألا تكون حركة المال دائرة بين الطبقات الغنيّة. هذا التوزيع للعوائد الماليّة تلعب فيه سياسات الدولة دوراً رئيسياً عن طريق الزكاة أو الضرائب أو وضع حد أدني للأجور أوغيرها من السياسات والتدخلات الحكوميّة.
ولكن، ما علاقة "ترحال" بعدم المساواة الاجتماعيّة؟
صَرَّح فريق إدارة ترحال في ذلك اللقاء أن أغلب العاملين في ترحال هم موظفون يعملون بوظائف عامة أو خاصة، وأنهم يعملون في ترحال كدوام جزئيّ إما قبل بداية الدوام اليوميّ للعمل في السودان، أو بعد نهاية ساعات الدوام. وهذا يعني أن أغلب السيارات العاملة في ترحال تتعامل معه كزيادة دخل بجانب المرتب الذي يستلمه الموظف من الشركة/المؤسسة التي يعمل بها. ويمكننا أن نفترض، عموماً، أن المرتب الذي يتقاضاه أغلب هؤلاء العاملين بترحال يغطي لهم الاحتياجات الأساسيّة لحياتهم ولأسرهم، وأن المال الذي يكتسبونه من ترحال يساعدهم في رفاهياتهم أو تكملة ما تبقي من احتياجاتهم، خصوصاً أن عدد معتبر من الشركات السودانيّة توفر التأمين الصحي وعدد من الخدمات لموظفيهم ولأسرهم. في المقابل، فإن سائقي الأمجاد والتاكسي الأصفر و الركشات يعتمدون بصورة كليّة على عوائد هذه المهن لتغطية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم الرئيسيّة من (تعليم، سكن وأكل وشرب وعلاج) وليس مجرد عوائد مالية تساعدهم في رفاهياتهم أو تكملة ما تبقي من احتياجاتهم. هذا الكلام يعني بصورة رئيسيّة أن حركة المال في قطاع النقل الخاص في السودان قد شهدت (بصورة كبيرة ومتزايدة) خلال السنة الماضية فقط تغيراً مهماً وخطيراً، من:
أ- عوائد مالية تخرجها شريحة من المجتمع ميسورة الحال نسبياً (وأقصد بها أولئك الذين يستعملون النقل الخاص في تنقلاتهم) لشريحة تعتمد على ذلك المال كلياً في عيشها (وأعني بذلك سائقي الأمجاد والتاكسي الأصفر و الركشات).
إلي:
ب- عوائد مالية تخرجها شريحة من المجتمع ميسورة الحال نسبياً (وأقصد بها أولئك الذين يستعملون النقل الخاص في تنقلاتهم) لشريحة تستعمل هذا المال في زيادة رفاهيتها أو تكملة ما تبقي من احتياجاتهم (وأعني بهم الموظفين الذين لهم دوام عمل، ويستخدمون سياراتهم الخاصة في ترحال قبل أو بعد أوقات الدوام). وبالمناسبة، فمن ملاحظة شخصيّة فإن نسبة كبيرة من أفراد أسر شريحة الموظفين (الذين يعملون في ترحال)، هم أنفسهم من يستعملون ترحال في مشاوريهم وتنقلاتهم، وبالتالي يكون أغلب المال دائر بين نفس الطبقة أو الشريحة من المجتمع.
النتيجة الطبيعيّة لهذه الحركة الاقتصاديّة هي الزيادة الكبيرة في الفروق الطبقيّة والاقتصاديّة بين المواطنين السودانيين، أو يمكننا أن نبسط الأمر ونقول، تجوزاً، بأن هذا النشاط الاقتصاديّ يعمل على "أن يزداد الغني غناً، وأن يزداد الفقير فقراً"! خصوصاً إذا علمنا أن أغلب الرحلات/المشاوير الخاصة غالباً ما تكون خارج وقت الدوام الرسمي في السودان، أي في الوقت الذي تعمل فيه أغلب سيارات ترحال.
لست عالماً شرعياً لأفتي، لكن أليست هذه الممارسة الاقتصاديّة يَصدقُ عليها أنها قد جعلت المال " دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ" من طبقات الشعب السودانيّ! وأنا كذلك لا أحرم أو أحلل شيء فأنا نفسي تحت ضغط الإلتزامات الحياتيّة أعمل في أوقات فراغي كسائق ترحال! ولكنيّ فقط أنبه للآثار طويلة الأمد لمثل هذه الأنشطة الاقتصاديّة.
وأنا أكتب هذا التحليل جال بخاطريّ أمرين:
أولهما، تذكرت عدد من النماذج الاقتصاديّة التي كان يقوم بها المجتمع المسلم قديماً لخدمة أعضائه وكيف أن أكثر من 60% من الخدمات العامة كان تقوم بها مؤسسة "الوقف" التي كانت مسؤولة عن التعليم والصحة وتوفر الطعام للمحتاجين، كما كان جزء من رواتب العلماء والقضاة تأتي من هذه الأوقاف وبذلك كان يتحقق استقلال عام للجهاز القضائيّ والتشريعيّ من أن تعبث به أيدي الحكومات الظالمة. بل إن مؤسسة الوقف تمددت حتى أصبحت توفر الطعام والرعاية للحيوانات والبهائم! أرجو أن يكون من بين المهتمين بريادة الأعمال والبزنس في العالم العربيّ من يمتلك المعرفة والعزيمة والخيال التي ستجعله يُعيد تجسيد كثير من قيمنا الإسلاميّة في صورة مشاريع حية لصالح عامة الناس والفقراء والمحتاجين.

ثانيهما، بغض النظر عن صحة هذا التحليل الذي كتبته، تمنيت أن اقرأ هذا التحليل أو أمر مشابه له من طلاب وخريجيّ كليات الاقتصاد والعلوم الاجتماعيّة الذين من النادر أن نجد لهم مساهمات كتابيّة نقديّة في هذه الفضاءات العامة تنير دربنا وطريقنا، وحفظ الله الدكتور التجاني الطيب الذي كان ولا يزال يذكرنا بأن هنالك من طلاب الاقتصاد من يستطيعو أن يحللوا قضايا الاقتصاد بلغة يفهمها الناس. وأخيراً أتمنى أن يأخذ أحد طلاب السنة النهائيّة أو طلاب الماجستير في كلية الاقتصاد هذا المقال بصورة جادة وأن يخصصه كبحث لتخرجه، وأنا مستعد لأي مساعدة في إكمال هذا البحث.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق