مقال: مرونة المنشأت الصغيرة و المتوسطة بقلم د. الصادق أدريس

0


الجزء الاول : مرونة المنشآت الصغيرة والمتوسطة تستطيع مواجهة حالات الكساد الناجمة عن نقص الطلب السوقي

أهمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة
د. الصادق ادريس
         يأتي الاهتمام العالمي بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة من كونها أكثر القطاعات قدرة على توفير فرص العمل ، وتعمل على تشجيع المنافسة ، هذا بالإضافة على قدرتها على التكيف السريع مع السوق ومتطلباته لأنها تتميز بديناميكية عالية ، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:
1- قدرة هذه المنشآت على توليد فرص عمل:
         تشير البيانات التي حصلنا عليها من جمعيات تنمية المجتمع العاملة في المشروعات الصغيرة إلى أن تكلفة فرصة العمل في المشروعات الصغيرة تصل في المتوسط إلى 7500 جنيه ، بينما تصل فرصة تكلفة العمل في المشروعات العامة والحكومية إلى 75000 جنيه  ، وهذا يعني أن فرصة العمل في المشروعات الكبرى والحكومية تصل إلى عشرة أضعاف تكلفة فرصة العمل في المشروعات الصغرى ، لنضرب هنا مثالاُ بسيطاً ، سجلت الدراسة أن عدد العاملين بإحدى ورش تشكيل الرخام والجرانيت 12 عاملاً يتقاضون أجورا شهرية تراوحت بين 300 جنيه لعامل الحراسة ، 1200 جنيه شهرياً للعامل الفني الماهر ، وكلفت الورشة 72000 جنيه (بخلاف الأرض) ، بينما سجلت دراسة أخرى أن مصنع لقطع وصقل الرخام والجرانيت تكلف 20 مليون جنيه (بخلاف الأرض) وأن عدد العاملين به 100 عامل ، وتراوحت الأجور فيه بين 400 جنيه لعامل الحراسة والخدمات ، 1500 جنيه للمهندسين والفنيين المهرة.

 وبنظرة بسيطة نجد أن فرصة العمل في الحالة الأولى تكلفت 6000 جنيه ، وفي الحالة الثانية تكلفت فرصة العمل 200000 جنيه ، وعلى الرغم من ان العائد على رأس المال في الحالة الأولى يختلف عنه في الحالة الثانية إلا أن القدرة على توفير فرص عمل في الحالة الأولى أكبر بكثير من الحالة الثانية.
ولم تعد عبارة خلق فرص النجاح في الولايات المتحدة وفي دول كثيرة من العالم تعني فقط مسألة التمويل والإقراض وما إلى ذلك من حيثيات البدء بمشروع صغير بل إن العبارة باتت تعني الحد من الجريمة ، مدارس ودورات وتدريب، أمل أكبر لأولئك الذين يملكون القليل ، مما يعكس عمق الأثر الذي أمسى يؤديه هذا القطاع من خلال الاقتصاديات المختلفة وخدمة المجتمع ورفاهيته ، فببساطة توفير فرص عمل يضفى قوة ومتانة على النسيج الاجتماعي.
2- قدرة المشروعات الصغيرة على المنافسة:
         تتميز المنشآت الصغيرة والمتوسطة بقدرتها وديناميكيتها العالية في اتخاذ القرار ، وهذا يؤدي بدوره إلى تشجيع المنافسة ، حيث أن وجود أكثر من منتج لنفس السلعة – وإن كان صغيراً- يؤدي إلى تشجيع المنافسة مما يصب في مصلحة المستهلك في النهاية.
3- قدرة المشروعات الصغيرة على الابتكار:
         يتميز أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة بان لديهم قدرة عالية على الابتكار وتجريب أفكار جديدة ، وهذه الأفكار غالباً ما تؤدي إلى تطور المنتج ، هذا إضافة إلى توافر المرونة مقارنة بالمشروعات الكبيرة مما يساهم في القدرة على الإبداع وتقديم ما هو جديد ، ولو نظرت إلى تجربة دول جنوب شرق أسيا لوجدت أن الابتكار والقدرة على تلبية احتياجات المستهلك حول العالم سمه أساسية بدأً من فوانيس الأطفال التي تعنى بكل اللغات إلى احتياجات أجهزة الحاسب ، كل هذا من بنات أفكار أصحاب المشروعات الصغيرة في هذه الدول.
4- قدرة المشروعات الصغيرة والمتوسطة على تلبية احتياجات المستهلك:
         تعمل هذه المشروعات على تلبية احتياجات المستهلك من خلال تحقيق الاتصال المباشر بين المستهلكين والأسواق، والمرونة في الإنتاج والتسويق والخدمات.


أسباب بقاء ونمو قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة
         يمكن إجمال أهم العوامل التي ساعدت على بقاء واستمرار المنشآت الصغيرة والمتوسطة في النشاط – جنباً إلى جنب مع المنشآت الكبيرة- فيما يلي:
1- العقبات التي تحول دون النمو والتوسع المستمر للمنشآت الكبيرة، وتتمثل هذه العقبات في المشاكل الناجمة عن عدم قابلية عوامل الإنتاج للتجزئة من الناحية الفنية ، وارتفاع تكاليف النقل ونفقات التسويق مع النمو المطرد للمنشأة ، وكذلك المشاكل الإدارية المتعلقة بالتنسيق والتخطيط والإشراف على العاملين والتي تضع قيداً على معدل نمو المؤسسات الكبيرة ، ويطلق عليها (وفورات الإدارة السلبية) هذا إلى اعتبارات ضيق السوق والتخصص الدقيق التي تحول دون تواجد المنشأة الكبيرة في أسواق وأنشطة معينة لا تتناسب مع الحد الأدنى الاقتصادي للتشغيل لهذه المنشآت أو لا يتوافق طلبها مع الإنتاج النمطي الذي تقوم به المنشآت الكبيرة.
2-مرونة المنشآت الصغيرة والمتوسطة حيث تستطيع مواجهة حالات الكساد الناجمة عن نقص الطلب السوقي بدرجة أكبر من المنشآت الكبيرة التي تظل مثقلة بعبء النفقات الثابتة المرتفعة ، إذ يمكن للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أن تعدل من تكاليفها بشكل سريع وفعال بما يتناسب ومستوى الإنتاج الموافق لطلب السوق ، وبذلك تكون أكثر كفاءة في الأسواق التي تتميز بالتقلب المستمر ، كما تبرز كفاءتها أيضاً في المجالات التي تتطلب سلعاً أو خدمات نمطية ، وتعتمد على العلاقة الشخصية بين صاحب المنشأة والعملاء كما هو الحال في صناعة ملابس السيدات التي تخضع لتغيرات مستمرة حسب تطور الأزياء وخطوط الموضة.

ففي هذه الأسواق تحقق المنشآت الصغيرة والمتوسطة نجاحاً ملحوظاً حيث تقوم بإنتاج سلع أو تقديم خدمة تصمم خصيصاً وفقاً لحاجة المستهلك وبما يتوافق مع ميوله وأذواقه ، وكذلك تتمتع  المنشآت الصغيرة والمتوسطة بمرونة عالية في خفض بعض عناصر التكلفة ، حيث يمكنها الاستعانة بالخبراء مقابل مكافآت دون الحاجة إلى تعيينهم بصورة دائمة كما يحدث في المنشآت الكبيرة ، كما يمكنها الاستفادة من معظم مراكز البحوث والمعلومات والتدريب المتاحة في السوق – والتي تشكل وفورات خارجية بالنسبة لها- دون الحاجة الى إنشاء مراكز بحث وتطوير أو معلومات أو تدريب خاصة بها كما هو الوضع بالنسبة لكثير من المنشآت الكبيرة.
3-العلاقة التكاملية بين المنشآت الصغيرة والمتوسطة والمنشآت الكبيرة حيث يمكن للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أن تحقق بعض المزايا الناجمة عن فصل الوظائف أو مراحل الإنتاج ذات الوفورات الكبيرة من خلال التخصص في بعض منها والعمل على نطاق اقتصادي مناسب ، وتعتمد المنشآت الصغيرة والمتوسطة على المنشآت الكبيرة في استيفاء احتياجاتها من المواد الخام الأساسية كما هو الوضع في الصناعات الكيماوية والبترولية والمعدنية ، كما تأخذ العلاقة صوراً تكاملية أخرى أبرزها التعاقد من الباطن مع المنشآت الصغيرة والمتوسطة على تصنيع بعض المكونات لحساب المنشآت الكبيرة مثلما هو شائع في الصناعات الهندسية وصناعة المنتجات المعدنية والصناعات الالكترونية.


التقدم التكنولوجي أدي الى التقدم السريع في بعض المجالات الى تدعيم دور المنشآت الصغيرة والمتوسطة وزيادة انتشارها ، فقد ترتب على اكتشاف بعض المواد الأولية الحديثة والتوسع في استخداماتها التجارية خفض الاستثمارات المطلوبة لمزالة النشاط مما فتح مجالات متعددة أمام المنشآت الصغيرة والمتوسطة ، مثل صناعة المنتجات البلاستيكية التي تعتمد على خامات البلاستيك رخيصة الثمن ، وبالمثل ساعد التقدم التكنولوجي في مجال إنتاج الكهرباء على سهولة نقل التيار الكهربائي الى مسافات بعيدة وبتكلفة رخيصة ، مما أدي الى استفادة المنشآت الصغيرة والمتوسطة بالاقتصاديات الناشئة من توليد الكهرباء على نطاق كبير، ويصدق نفس القول على التقدم الفني الملحوظ في قطاعات النقل والاتصالات والمعلومات ، والذي هيأ للمنشآت الصغيرة والمتوسطة سبل الاستفادة من الوفورات المحققة في هذه المجالات في زيادة الإنتاجية والانتشار المكاني وبالتالي التواجد – جنباً الى جنب – مع المنشآت الكبيرة. 


د. الصادق إدريس أحمد
 مستشار اقتصادي
تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة
الرياض - السعودية

00966502438831